سيف الدين الآمدي
154
أبكار الأفكار في أصول الدين
وأيضا قوله - عليه السلام - : « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة » « 1 » دل على أن السواك غير مأمور به . وإن كان مندوبا بالإجماع ، وكذلك النهى ، فإنه لا يكون عندنا لغير التحريم . ولهذا فإن الأمة لم تزل في كل عصر ترجع في إيجاب العبادات ، وتحريم المحرمات إلى الأوامر ، والنواهي . ويقضون بالإيجاب ، والتحريم بالأمر ، والنهى ويحتجون على المخالفين بذلك لا بالقرائن ؛ فدل على أن الأمر والنهى ، لا يكون لغير الإيجاب والتحريم . وعند ذلك فيلزم من كون آدم مخالفا للأمر أو النهى أن يكون مذنبا مستحقا للوم ، والعقاب . وإن سلمنا انقسام الأمر ، أو النهى إلى ما ذكروه . غير أن إخراجه من الجنة ، وسلبه لباسه كان عقوبة له . وإنما قلنا : إن ذلك عقوبة لأنه مضر به ، وكل إضرار فهو عقوبة عرفا . وإنما قلنا : إنه مضر به لأن كل عاقل يتضرر بسلب ما كان فيه من النعم كما يتضرر بحلول الآلام ، والأوجاع به . وربما كان ذلك عند المترفهين ، وأرباب المروات أعظم من الإضرار بالآلام . ولهذا فإن كثيرا من العقلاء قد يتمنى الهلاك / عند زوال نعمته . وإذا كان ذلك عقوبة له دل على صدور الإساءة ، والذنب عنه نظرا إلى أن العقوبة إنما تحسن عرفا في حق المذنب دون من ليس بمذنب . كيف وأن العقوبة من غير سابقة ذنب عند الخصوم ظلم ، وقد قال تعالى لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ « 2 » ثم إن إطلاق لفظ المعصية عندهم على ما ليس بإساءة ولا ذنب من باب المجاز ، والحقيقة في الإساءة ، ولا يخفى أن ترك الحقيقة ، والعدول إلى المجاز من غير دليل ممتنع .
--> ( 1 ) الحديث متفق على صحته أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما : أولا صحيح البخاري 2 / 435 ح رقم 887 . ( كتاب الجمعة - باب السواك يوم الجمعة ) . وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة - باب السواك 1 / 220 ح 252 . ( 2 ) سورة النساء 4 / 40 .